كلية دار علوم

لطلاب كلية دار علوم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مدخل إلى علوم الشريعة(1)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 31

مُساهمةموضوع: مدخل إلى علوم الشريعة(1)   الجمعة مايو 25, 2012 8:23 pm

مدخل إلى علوم الشريعة(1)
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وأستاذنا ومعلمنا ومعلم البشرية جمعاء محمداً رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين r، وبعــــــــد :
يقول النبى r : من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين"
ثم أما بعد، فهذه بعض المحاضرات أو الدروس الفقهية، جعلتها بعنوان " مدخل إلى علوم الشريعة"، ما قصدت بها الإفتاء أو الإجابة على أسئلة فقهية، فأنا لست بعالم أو فقيه- مع كثرة انتشار الفتاوى على صفحات النت وفى شتى المواقع الإسلامية، وإنما أردت تيسر علوم الشريعة ومعرفة المسائل والدلائل ثم كيفية استنباط الأحكام الفقهية من الأصول والقواعد الفقهية.. وهذه المحاضرات لا أخاطب بها علماء الشريعة أو الفقهاء فأنا دون ذلك-والله يعلم- وإنما أخاطب بها طلاب العلم وجل من الشباب الذين يصيرون –عن غير قصد-ضحية اختلاف العلماء والفقهاء والدعاة فى أصول الدين ، ضحية القنوات الإسلامية الفضائية ما بين السنية والشيعية وما بين برنامج يدعم موقفاً وآخر يحاربه،وما بين عالم محل وآخر محرم لأصل من أصول الشريعة الغراء أو من ثوابت الدين.
فهذه دروس أو مدخل ميسر لعلوم الشريعة والفقه الإسلامى ، لم آت بجديد وإنما جمعتها من بطون كتب الفقه وأصوله ثم صغتها بأسلوب أحسب أنه ميسر ومبسط.. لينطلق منها المسلم الواعى لفهم شريعة دينه، ويصحح ما التبس عليه،، لعلى بهذا العمل أكون بذرت نبتة تحتاج إلى اهتمام وعمل دؤؤب ومشمر جاد يحل مشاكله وتساؤلاته بالحل الإسلامى.
مفهوم الشريعة:
الشريعة لغة : هي مورد المياه المـَعين غير المنقطع ، وهي أيضا المذهب والطريق الواضح المستقيم كقوله تعالى (شرع لكم من الدين..) .
والشريعة اصطلاحا:يراد بها( الأحكام التي شرعها الله سبحانه لعباده بالقرآن أو بسنة النبى r) .
والشريعة عند إطلاقها يراد بها شريعة الإسلام ، كقولنا : ما حكم الشريعة في كذا . وقد يخرجها السياق من هذا الاختصاص كقوله تعالى (لكل جعل منكم شرعة ومنهاجا..) ، فالشريعة في هذه الآية أعم من شريعة الإسلام . والشريعة إذا أريد تخصيصها بديانة أخرى فإنها تقيد بهذا الدين كقولنا : لم تسلم الشريعة اليهودية من أيدي علمائها .
أنواع الأحكام في الشريعة :
1- أحكام اعتقادية : وهي المتعلقة بذات الله سبحانه وتعالى وصفاته- لا تتعلق بأفعال المكلفين- ومحل دراستها علم العقيدة والكلام .
2- أحكام أخلافية : تتعلق بتهذيب النفوس وتزكيتها ، كوجوب الصدق والأمانة. . ومحل دراستها علم الأخلاق أو التصوف الإسلامي.
3- أحكام عملية : تتعلق بأفعال المكلفين ، كوجوب الصلاة ، وإباحة البيع ، وحرمة السرقة والربا .(اشتمل عليها مصطلح الفقه) .
خصائص الشريعة الإسلامية التي تميزها عن غيرها ، وأهمها :
1- ربانية المصدر :
فهي من عند الله سبحانه ، واليهودية والمسيحية وإن كانتا أيضا من عند الله سبحانه ، فإن كثيرا من تشريعاتهما التي يحيا بها أهلهما ليس منزلا من عند الله سبحانه ، وإنما هو من علماء هاتين الديانتين . أما الإسلام فإن أحكامه الكلية وبعضا من أحكامه الفرعية من عند الله سبحانه، وقد ضمن كون الشريعة الإسلامية ربانية المصدر سلامتها من النقص والهوى والجور، وقد أكسبها كونها أيضا شريعة من عند الله هيبة واحتراما، بما يضمن الاستجابة لأحكامها الاستجابة الفورية، كتحريم الخمر.
2- رفع الحرج :
فقد خفف عنا مولانا سبحانه التكاليف في شريعة الإسلام ؛ رحمة منه وفضلا ، وحتى يستطيع المسلم أن يسدد ويقارب في الوفاء بها . فقد رفع عنا الإثم بسبب الجهل أو النسيان أو الخطأ ، ثم يسر لنا أركان الإسلام(الرخص والتيسير فى الصلاة،الصيام،الزكاة..) (ما جعل عليكم فى الدين من حرج)(يريد الله بكم اليسر).
3-الجزاء دنيوي وأخروي :
فشريعة الإسلام تحيي في المسلم ضميره ، وتجعله رقيبا على نفسه قبل أي شيء آخر . لذا فإن أسباب منع وقوع الجريمة في الشريعة آكد منها في القوانين الوضعية، ولو كان الرادع قضائيا فقط كحال القوانين الوضعية ، لاحتال المرء وحاك جريمته بليل ؛ حتى لا يناله العقاب .
4- الثواب دنيوي وأخروي :
حيث لم تكتف الشريعة بمنع المسلم من الشر ، بل تدفعه دفعا لنفع غيره . فقد ربط الإيمان بحب المسلم الخير لأخيه ، ففي الحديث ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، بل إنها تدعوه لذلك حتى بعد زوال هذه الأفراد والمجتمعات والأمم، من ذلك ما ثبت من قوله r من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة ) .
5- صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان :
لذلك فإن شريعة الإسلام لا تقبل النسخ بدين آخر ، فهي خاتمة أديان السماء لأهل الأرض ، وتكفلت بتحقيق مصالح الخلق ، ودرء المفاسد عنهم ، ومواكبة تقدم البشرية ورقيها .
6- شمول الشريعة :
فهي تشمل الأحكام المتعلقة بالعقيدة والأخلاق والمعاملات ومحل دراستها .
÷ أهداف الشريعة :
1- تحرير العقل البشري من كل ما يعوقه .
2- إصلاح الفرد نفسيا وخلقيا .
3- إصلاح المجتمع وتحقيق الخير للعباد والبلاد .
÷ وأهم مقاصدهـا :
المقصد العام المحوري للشريعة هو ( جلب المصالح ودرء المفاسد ).
قسم العلماء مقاصد الشريعة من حيث قوتها في ذاتها إلى :
1ـ مقاصد ضرورية :
هي ما لا بد منه لقيام مصالح الدين والدنيا ، ومن أهم ما يمثلها هذه الكليات الخمس :
(الدين ـ النفس ـ العـقل ـ النسل ـ المال )
1. فلإيجاد الدين شرعت الشهادتان وبقية أركان الإسلام ، ولحفظه شرع الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
2. ولإيجاد النفس شـرع الزواج والتناســل ، ولحفظها شـرع المأكــل والمسكن والقصاص وتحريم الانتحار ،
3. ولإيجاد العقل شرع الزواج أيضا والتناسل ، فالإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى من روح وجسد وعقل ، ولحفظه وتنميته حرم الإسلام الخمر والمخدرات ، ودعا إلى طلب العلم ، ونهى عن المعتقدات الفاسدة ،
4. ولإيجاد النسل شرع كذلك الحث على الزواج والتكاثر،ولحفظه شرع حد الزنا وتحريم وأد البنات ،
5. ولإيجاد المال شرع وجوب السعي على الأرزاق ، ولحفظه شرع حد السرقة ، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل ،
وبجانب هذه الكليات الخمس ذكر بعض العلماء كليات أخرى كالعِرض ، والحرية ، والعدل ، والاجتماع الذي لا تقوم الأمة إلا به ، وغير ذلك من ضرورات .
2ـ مقاصد حاجية :
هي رفع الضيق المؤدي غالبا إلى الحرج ، مثل: أداء الشعائر الدينية بكيفية لا توقع العاجز في حرج ، وإباحة اللهو غير المحرم ، وإباحة بعض أنواع المعاملات التجارية التي تيسر على الناس شئونهم .
3ـ مقاصد تحسينية :
هي في الأساس شئون الحياة التي لا يوقع منعها في الحرج ، مثل امتلاك السيارات الخاصة، واستعمال العطور ، وغير ذلك من أمور تأتي بعد أن يستوفي الإنسان متطلبات حياته الأساسية ، من مسكن ومأكل وعمل وتعليم وعلاج .. وقد تتحول هذه المقاصد التحسينية إلى حاجية في بعض المجتمعات ، كمجتمع المدينة الذي صارت فيه الكهرباء…كما تشمل محاسن العادات والصفات الحميدة ، كأن يعامل المسلم غيره بالفضل وليس بالعدل فحسب .
(التكميليات ) :
وهي أمور تساعد على تحقيق هــذه المقاصد الثلاثة ، فالصلاة مثلا لما شرعت جاء تكميلها بتشريعها في جماعة ، ولما حرم الله سبحانه الزنا جاء تكميل ذلك بتحريم الأسباب ، بتحريم الخلوة بالأجنبية ، والأمر بغض البصر . ولما دعا الإسلام إلى الصدقة جاء تكميلها بأن تكون من كسب حلال .
الفقـــــــــــه
الفقه لغة: العلم بالشيء وفهمه ،فقه: فطن وفهم وأدرك غرض المتكلم،((ما نفقه كثيراً مما تقول))
الفقه اصطلاحاً: معرفة المسائل للحكم عليها بالأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة.
وعرفه الجرجاني بأنه : ( العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية ).
وعرفه الغزالي بأنه : ( العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة ) .
والأحكام الشرعية قسمان :
أولاً :الأحكام التكليفية: (الواجب ،الحرام، المكروه، المندوب ، المباح ).
الواجب : هو ما طلب المشرع من المكلف فعله طلبا لازما . مثل الصلاة، والزكاة، والصوم..، وحكم الواجب هو لزوم الإتيان به ، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الثواب على فعله ، والعقاب على تركه .( من أقسامه: العينى - الكفائى) .
المندوب : وهو ما طلب المشرع من المكلف فعله ، طلبا غير لازم . وحكم المندوب هو طلب الإتيان به من غير إلزام ، وحكمه الأخروي مرتبط بالقسم الذي يندرج تحته .(أقسامه: السنة المؤكدة - غير المؤكدة - المندوب الزائد)
المباح : وهو ما خير فيه المشرع المكلف بين فعله وتركه ، مثل اللهو البريء .وحكم المباح أنه لا يعاقب تاركه ، ولا يثاب فاعله إلا إذا قصد به التقرب إلى الله سبحانه وتعالى .
المكروه : وهو ما طلب المشرع من المكلف الكف عن فعله طلبا غير جازم ،فتركه أولى من فعله .
وحكم المكروه هو أن فاعله لا يستحق العقاب ، وإن كان يستحق اللوم والعتاب ، ويثاب تاركه إذا نوى بتركه التقرب إلى الله تعالى .
الحرام : وهو ما طلب المشرع من المكلف الكف عن فعله طلبا جازما . وحكم الحرام هو عقوبة فاعله وإثابة تاركه . ( أقسامه: حرام لذاته كتحريم الخمر - حرام لغيره أو لعارض كتحريم الصيد يوم العيد)
ثانياً: الأحكام الوضعية: ( الصحيح، الباطل، الـسبب، الشرط، المانع ).
1- الصحيح : وقوع الحكم موافقا لما أمر به المشرع ، بأن يكــون مستوفيا لأركانه وشروطه، كأداء الصــلاة بأركانها وشروطها .
2- الباطل : وقوع الحكم مخالفا لما أمر به المشرع - غير مستوف لشرط أو ركن- ، كمن يصلي الصلاة دون طمأنينة ، بحيث لا يستبين أي حرف مما يقرؤه في صلاته .
3- السبب : هو ما يلزم من وجوده الوجود ، ويلزم من عدمه العدم . مثل الغِنى هو سبب وجوب الزكاة ، وعدم الغنى سبب لعدم وجوبها .وهو قسمان:
أ/ ما يكون المكلف موجدا له، مثل السرقة سبب لقطع اليد، فالسارق هو الذي أوجد السرقة.
ب/ ما لا دخل للمكلف فيه ، مثل مجيء شهر رمضان ، فهو سبب لوجوب الصوم .
4- الشرط : ما لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم.مثل الوضوء، لا يلزم منه الصلاة ،فقد يتوضأ المسلم قبل النوم دون أن يصلي. ويلزم من عدم الوضوء عدم الشروع في الصلاة.
5- المانع : ما يلزم من وجوده بطلان السبب.فمع أن الغِنى يكون(سببا) للزكاة، فقد يوجد مانع يؤدي إلى بطلان السبب، كأن يكون صاحب المال مدينا بدين(المانع) يساوي ما يملكه أو أغلبه.
تطور تعريف(دلالة أو مصطلح)الفقه :
1- (فى القرن الأول والثانى هـ)كان الفقه يطلق على الزهد وعلم الكلام .
2- (فى منتصف القرن الثانى) تطور ليدل على علم الآخرة، ومعرفة دقائق النفس.كما قال أبو حنيفة: هو معرفة النفس ما لها وما عليها، وقال الغزالى: معرفة دقائق النفس وآفاتها
3- ثم انتقلت دلالته إلى العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة بطريق النظر والتأمل.
4- ثم انتهى إلى العلم بالأحكام الشرعية العملية المستفادة من جميع أدلتها( الثابتة والمتغيرة والمستنبطة والمقلدة).
علاقة الفقه بالشريعة:
1- الفقه أحد علوم الشريعة حيث يقتصر على الأحكام العملية، أما الشريعة أعم(الأحكام اعتقادية وأخلاقية وعملية).
2- الفقه فهم العلماء والفقهاء لنصوص الشريعة ، أما الشريعة فهي نصوص الكتاب والسنة نفسها.
3- الأحكام الاجتهادية فى الفقه تجوز مخالفتها ما دام استندت هذه المخالفة إلى دليل شرعي ثابت ، أما الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة فلا تجوز مخالفتها . بينما الشريعة لا تجوز مخالفتها ؛ لأنها منزلة من الله عز وجل في الكتاب وعلى لسان رسوله r.
خصائص الفقه الإسلامي :
1- يرجع أساسه إلى وحى (القرآن والسنة)، وهو مقيد بهما، وإلا بمقاصدهما.
2- أحكامه ممهدة بالوازع الدينى (التقوى والمراقبة..) والأخلاق. ونتيجة لذلك تربية الضمير والاعتراف بالذنب كما اعترفا كلاً من ماعز والغامدية بذنبه للنبى r .
3- الجزاء فيه دنيوى وأخروى أعظم من سابقه.
4- الطابع الاجتماعى : فأحكام العبادات والمعاملات لتهذيب الفرد وإصلاح المجتمع .
5- قابل للتطور ومسايرة المكان والزمان.( النوع الثانى من الأدلة).
لذا فإنه يوجد تشابه بين خصائص الفقه وخصائص الشريعة، إلا خاصية شمول الشريعة لأحكام العقيدة والأخلاق والفقه ، فالفقه لا يشمل نطاقه موضوعات العقيدة والأخلاق ، وإن كان يمهد لأحكامه بطرف منها.
أنواع أدلة الفقه (الدلائل) :
1- أدلة قطعية (ثوابت): لا تتغير بتغير الأزمنة ولا الأمكنة كوجوب الصلاة والجهاد وحرمة الزنا والخبائث. مصدرها؛القرآن الكريم والسنة النبوية (القولية والفعلية).
2- أدلة ظنية (متغيرات): وهى أحكام – متغيرة- مبنية على الاستدلال (كالمصلحة المرسلة والعرف والاستحسان والإجماع والقياس) . وتعد من وسائل تطور الفقه الإسلامى .
أقسام الفقه الإسلامي :
1- فقـه العبادات : أحكام متعلقة بالشعائر الدينية (علاقة الفرد بربه):الصلاة والصوم..
2- أحكـام الأسرة : النكاح والطلاق والنسب والنفقة والمواريث والوصايا..
3- فقـه المعاملات : أحكام متعلقة بأفعال الناس وبمعاملاتهم فى الأموال والحقوق والخصوم.
4- الأحكام السلطانية : أحكام متعلقة بالحكم والرعية ( الحقوق والواجبات).
5- فقـه العقـوبات : أحكام متعلقة بالأمن الداخلى ، ومعاقبة المجرمين.
6- فقـه السيـرة : علاقة الدولة بالدول المجاورة (العلاقات الدولية) .
7- الآداب الإسلامية : أحكام متعلقة بالحشمة والمحاسن والمساوئ والآداب والأخلاق.

تاريخ الفقه الإسلامي ، منذ ولادته إلى العصر الحاضر
أولاً : مرحلة النبوة (فترة الوحـى)
عندما جاء الإسلام أقر بعض نظم ومعارف العرب قبل الإسلام ما توافق معه كإكرام الضيف ، وألغى ما بدا معارضا له كوأد البنات ، وغير في بعضها وتسامى به ليكون على مستوى أخلاق الإسلام كالشعر . ففي عهد النبي r بدأ الفقه يتكون ، وعماده القرآن الكريم ثم السنة النبوية ، وامتدت هذه الفترة أكثر من اثنتين وعشرين سنة .
مراحل الفقه في فترة النبوة :
المرحلة الأولى : العهد المكي: نزل فيها ثلثا القرآن الكريم تقريبا، وهدفت إلى تثبيت المسلمين على عقيدتهم، ومناقشة غير المسلمين في عقائدهم غير الصحيحة. وقد نزل فيها أيضا مجمل بعض التشريعات مثل الصلاة ، والدعوة العامة إلى الزكاة ، دون تفصيل الأحكام .
المرحلة الثانية : العهد المدني : نزل فيها ثلث القرآن تقريبا ، وتمتاز باهتمامها بوضع الأسس العامة للتشريعات الفقهية التفصيلية .
السمات الفقهية التي تخص زمن النبوة :
1ـ التدرج في التشريع : نزل القرآن الكريم منجما ، وجاءت بعض تشريعاته بناء على أسئلة المسلمين أو غيرهم ، وقد تولى القرآن الكريم الإجابة عنها . وهذا النهج يجعل التشريع أخف على النفس ، وأدعى إلى القبول والامتثال ، ويساعد على الحفظ والتثبت .
أنواع التدرج :
أ/ تدرج كمى : حيث لم تنزل التشريعات كلها دفعة واحدة ، إنما نزلت خلال فترة البعثة كلها .
ب/ تدرج نوعى : لم ينزل دفعة واحدة ، وإنما نزل متدرجا، مثل تحريم الخمر.
ج/ تدرج تفصيلى : فقد ينزل الأمر مجملا ، ثم يأتي تفصيله بعد ذلك . مثل تشريع الزكاة.
2- رفع الحـرج : من مظاهره؛ الرخص الكثيرة بجانب العزائم، وسقوط الإثم بسبب الجهل أو النسيان أو الإكراه، وقلة التكاليف. والقاعدة فى ذلكSad المشقة تجلب التيسير).
3ـ النسـخ : ومعناه إزالة الحكم السابق بحكم لاحق(( ما ننسخ من آية..))، وقد وقع النسخ في الكتاب والسنة ، فمن الكتاب نسخ آية وجوب الوصية للوالدين والأقربين(كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت..) بآيات الميراث (يوصيكم الله فى أولادكم..) فلما نزلت قال النبى r (..لا وصية لوارث).
ومن السنة: النهى عن زيارة القبور ثم السماح بها، وكذا ادخار لحوم الأضاحى.
4ـ عدم الاختلاف الفقهى أو الاجتهاد : والسبب في ذلك هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان مرجع الفتيا والقضاء ، وهو المبلغ عن الله سبحانه أحكام الإسلام ، فلما توحد المصدر لم يقع الاختلاف . ومن القضايا التي اجتهد فيها النبي r ثم أرشده الوحي إلى حكم الله في موضوع الاجتهـاد ، حكمه r في أسرى بدر بإطلاق سراحهم مقابل فدية ونزل القرآن بقتلهم (تفسير سورة الأنفال 67- 69).
تدوين القرآن الكريم وكتابة السنة في عهد النبوة :
حرص النبى r على تدوين القرآن ، واتخذ لذلك "كتبة الوحي" ،منهم عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب. وكانوا يكتبونه على كل ما تيسر لهم كتابته عليه . كذلك كان بعض أصحابه يكتبونه لأنفسهم . وقد تم تدوين القرآن كله في حياة النبي r، ولكنه كان مفرقا في رقاع شتى .
وأما كتابة السـنة فقد نهى النبي r في بادئ الأمر عن كتابتها ، يدل لذلك قوله r : ( لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عني ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ، وسبب هذا النهي هو خشيته r من أن يلتبس على الناس القرآن بالسنة ، فلما أمن هذا اللبس أذن لهم بالكتابة .
وعلى الرغم من أن السنة في عهد النبوة لم تدون مثل القرآن الكريم ، فإن صدور الصحابة كانت خير وعاء لحفظها وتبليغها للأمة ، ويكفى أن الله سبحانه تكفل بحفظه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
ثانياً: نشأة الفقـه في عصر الخلفاء الراشدين
سمات المنهج الفقهي للصحابة :
1ـ الاعتماد على النص: كانت طريقـة الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد ، أنهم إذا عرضت لهم مشكلة بحثوا عن حكمها في كتاب الله تعالى ، فإن لم يجدوا بحثوا عن حكمها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يجدوا اجتهدوا . وإذا اجتهد أحدهم ثم تبين له بعد ذلك وجود نص في السنة ، فيه حُكم المسألة ، رجع عن رأيه وأخذ بالنص .
2ـ الاجتهاد الجماعي : اتخذ الاجتهاد في عهد الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما شكلا جماعيا في أغلب الأحوال ، كما كان حرصهم على تطبيق الشورى بينهم ، من ذلك استشارة أبي بكر الصحابة في قتال المرتدين ، ومنه أيضا استشارة عمر الصحابة في تقسيم سواد العراق . .
3- استعمال الرأى : الرأي يمثل الأدلة الاجتهادية ، كالقياس والاستحسان وسد الذرائع والاستصحاب والمصالح المرسلة.. وكان الصحابة رضي الله عنهم يصرحون أنه لا يلزم أن يكون اجتهادهم بالرأي صحيحا، فهو رأي يقبل الصحة والخطأ . وقد شارك هذا المبدأ مبدأ آخر في ممارسة اجتهادهم بالرأي ، وهو مبدأ تعليل الأحكام، أى نظر إلى ما يقصد إليه النص. ومن الرأي الذي يدخل تحت سد الذرائع توريث مطلقة الفار في مرض الموت..
أسباب اختلاف الصحابة في الرأي والاجتهاد :
1ـ التفاوت في قبول الرأي 4ـ التفاوت في العلم بالسنة
2ـ اختلاف طبيعة الرأي والاجتهاد 5ـ عدم قبول الخبر
3ـ الاختلاف في فهم النصوص
أسباب قلة اختلاف الاجتهاد بين الصحابة :
1) لأن فقه الصحابة رضي الله عنهم كان واقعيا ، فلم يعرفوا افتراض المسائل قبل وقوعها ، ولا التفريع على الأصول بالحجم الذي ظهر فيما بعد ، ومن ثم قلت مسائلهم ، ولزم عن ذلك قلة الاختلاف بينهم .
2) غلبة الاجتهاد الجماعي عليهم ، خاصة في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، الأمر الذي جمع المجتهدين على كلمة واحدة .
3) ورعهم وتقواهم ، مما أدى إلى عدم جرأتهم على الفتوى ، ورغبة كل منهم أن يكفيه غيره هـذا الأمر .
تدوين القرآن الكريم في هذا العصر : وقد تم هذا على مرحلتين :
 الأولى في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، حيث جمع القرآن الكريم في مكان واحد .
 الثانيـة في خلافة عثمان بن عفان ، حيث جمع الناس على نمط واحد لقراءة القرآن الكريم ، ونسخ من ذلك عدة نسخ ، ووزعها على الأمصار الإسلامية ، واحتفظ في المدينة بنسخة منها ، وأمر بإحراق ما عدا هذه النسخ من المصاحف الخاصة ، التي كان يكتبها أفراد من الصحابة لأنفسهم .
× تعريف القياس :
● القياس في اصطلاح علماء الأصول هو : مشاركة مسكوت عنه لمنصوص عليه في الحكم الشرعي ؛ لوجود علة تجمع بينهما . ولذلك لا بد أن يتوافر فيه :
1 = مقيس عليه ويسمى الأصل .
2 = ومقيس ويسمى الفرع .
3 = والحكم الذي ثبت للأصل ، ونريد أن نعديه إلى الفرع .
4 = والعلة وهي التي بُني عليها الحكم ، وتوجد في الأصل والفرع .
مثال ذلك : تحريم الخمر بنص الكتاب: (آيات تحريم الخمر)
1 = المقيس عليه أو الأصل : شرب الخمر .
2 = المقيس أو الفرع : تعاطي المخدرات مثلا .
3 = الحكم : الحرمة التي أفادها الأصل تنتقل إلى الفرع .
4 = العلة المشتركة بينهما : الإسكار .
و مثال ذلك : النيابة في قضاء الدين.
● ماروى ، أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن أمى نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفأحُج عنها ؟ قال : نعم ، حُجى عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية ، اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء .
1= الأصل أو المقيس عليه : النيابة في قضاء الدين .
2= الفرع أو المقيس : النيابة في قضاء النذر بالحج .
3= الحكم : انتقال وجوب قضاء الالتزام .
4= العلة : عدم سقوط الالتزام بالموت .
يلزم لتطبيق القياس تطبيقا صحيحا أن يتوافر فيه بعض الشروط ، منها :
1- أن يكون حكم الأصل غير مختص بهذا الأصل
2- أن يكون للعقل سبيل إلى إدراك علة حكم الأصل
3- تمييز العلة عما يشابهها ؛ لأن الحكم يرتبط بعلته وليس بحكمته
× تعريف المصلحة المرسلة :
هي المصلحة التي لم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها . مثل جمع القرآن الكريم في عهد كل من أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ، ومثل إنشاء السجون لمرتكبي الجرائم ، ومثل ضرب النقود ، وغير ذلك من أمور شهد الواقع بقيام المصلحة في تطبيقها ، على الرغم من سكوت الشارع عنها .
حجية المصالح المرسلة : ( أدلة الجمهور):
1-أن مصالح الناس في تجدد دائم ومستمر ، بينما نصوص الشارع محدودة متناهية ، ولو اقتصرنا على استنباط الأحكام متوخين المصالح التي اعتبرها الشارع دون ما سكت عنه ، لوقع الناس في حرج شديد .
2- من استقرأ فقه الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين تبين له أنهم احتكموا إلى مصالح لم يعتبرها الشارع ولم يلغ اعتبارها.
4- وكما أثر عن الشارع تعليل الأحكام بالعلل المؤثرة فيها ، كما في القياس ، أثر عنه أيضا تعليل الأحكام بالمصالح أو المفاسد المترتبة عليها .
 ◄ شروط العمل بالمصالح المرسلة :
1. أن تكون المصلحة حقيقية وليست وهمية ، وهذا يعني أن المجتهد عليه أن يتأكد من أنه سيترتب على الحكم مصلحة حقيقية أو منفعة ، لا أن يترتب عليه ضرر ، أو منفعة يكون ضررها أكثر من نفعها .
2. أن تكون المصلحة عامة وليست خاصة أو فردية ،.
3. ألا يكون الشرع قد ألغى اعتبار هذه المصلحة ، أو نص على ما يخالفها ؛ لأن الله عز وجل أدرى منا بما يصلحنا ، فمصلحة المرابي في زيادة ماله من الربا مصلحة ملغاة ، ومصلحة المنحرفين والمجرمين ألا تقام عليهم الحدود والتعزيرات مصالح ملغاة كذلك.
تعريف سد الذرائع :
الذريعة في الاصطلاح هي الموصل إلى الشيء الممنوع المشتمل على مفسدة ، أو الشيء المشروع المشتمل على مصلحة . وسد الذرائع يختص بالنوع الأول ، أي الذي يسد الطريق الموصل إلى الشيء الممنوع .
حجية سد الذرائع :
- نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن سب الأصنام أمام المشركين ؛ حتى لا يكون هذا السب سببا في سب المشركين لله سبحانه وتعالى .( ولا تسبوا الذين يدعون من الله فيسبوا الله عدواً بغير علم).
- واستدلوا من السنة بما ثبت في الحديث الصحيح ، من قوله صلى الله عليه وسلم : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ، قيل يا رسول الله : كيف يلعن الرجل والديه ؟. قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه .
× تعريف الإجماع :
1. الإجماع اصطلاحا هو اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، على حكم واقعة في عصرها .وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ) .
فإذا وقعت حادثة من الحوادث ، في زمن من الأزمان ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يوجد لها حكم في الكتاب والسنة ، وتعرض لها جميع المجتهدين في زمن وقوعها ، واتفقوا على حكم لها : سمي هذا الاتفاق إجماعا ، ويلزم العمل به ؛ لأنه حجة ويأتي في المرتبة بعد الكتاب والسنة .ويمكن تشبيه رأي المجتهد الواحد بالعود الذي يسهل كسره ، أما إذا صار هذا العود حزمة فإنه يقوى ويصعب كسره.
× شروط الإجماع :
1 ـ أن يصدر من مجتهدين :
2 ـ أن يصدر من جميع المجتهدين :
3 ـ أن يصدر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم :
4 ـ أن يصدر من مجتهدي عصر الواقعة وحدهم :
5 ـ أن يكون الاتفاق واقعا على حكم شرعي : بالوجوب أو الندب الحرمة أو السبب أو .. الصحة أو البطلان
× أنواع الإجماع : الإجماع نوعان فقط : صريح ـ سكوتي .
● النوع الأول : الإجماع الصريح :
يتحقق هذا النوع باتفاق جميع المجتهدين على حكم الواقعة أو المسألة المطروحة للبحث ، بإبداء كل واحد منهم رأيه صراحة . سواء اجتمعوا في مكان واحد ، أو تم الاتصال بينهم شفاهة أو كتابة أو بأية وسيلة من وسائل الاتصال التي يفرزها كل عصر. مثل مبايعة الصحابة رضي الله عنهم صراحة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة .
× ● النوع الثاني : الإجماع السكوتي :
يتحقق هذا الإجماع بأن يبدي بعض المجتهدين رأيه في المسألة المطروحة ، ويسكت باقي المجتهدين دون إنكار من أحدهم . وهذا يعني أن سكوت بقية المجتهدين عن الإبداء برأيهم في المسألة علامة على رضاهم بالحكم ، وموافقتهم له ، فيكون هذا إجماعا سكوتيا . ولكي يتحقق هذا الإجماع السكوتي ، لابد أن يتوافر له ما يأتي :
1 ـ مرور فترة زمنية كافية : حتى يفهم من ذلك أنهم لن يبدوا اعتراضا على من أدلى برأيه فيها .
2 ـ عدم الإكراه : عدم وجود إكراه يمنع الساكت من إبداء رأيه
3 ـ أن يتجرد السكوت مما ينافيه : أن يكون السكوت مجردا من أي دليل يدل على الموافقة أو المخالفة
4 ـ أن تكون المسألة ليست نصية : إذا كانت المسألة المطروحة منصوصا عليها في الكتاب أو السنة ، وأبدى بعض المجتهدين رأيهم فيها بخلاف ما ورد في الكتاب أو السنة، وسكت الباقون، فإن هذا لا يعد إجماعا سكوتيا
اختلاف العادات والتقاليد في كل مصر عن الآخر ، مما أدى إلى الاختلاف الفقهي .
× تعريف العرف :
هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل ، واستقامت عليه أمورهم .
ويتضح من هذا التعريف أن العرف هو ما تعارفه الناس أو معظمهم ، وتعودوا عليه حتى صار عادة لهم، ولهذا فإن العرف والعادة بمعنى واحد ، غير أن العادة قد تكون فردية أو جماعية، أي تعود عليها الفرد أو الجماعة ، أما العرف فلا يتحقق إلا إذا كان عادة جماعية ، أي يتعود عليها الناس أو معظمهم .
ينقسم العرف إلى قسمين : فاسد ـ صحيح . فالفاسد هو ما جاء مخالفا للشرع ، مثل حرمان الإناث من الميراث خاصة في القرى . والصحيح ما جاء موافقا للشرع . وهذا الصحيح يتنوع إلى نوعين : عام ـ خاص .
× شروط العمل بالعرف :
لا بد أن يتوافر للعرف شرطان حتى يصلح أن يكون دليلا شرعيا ، ويلزم العمل به ، هما :
1 ـ ألا يخالف العرف نصا شرعيا :
لأن العرف إذا خالف النص الشرعي ، فإنه يكون بذلك عرفا فاسدا ، ويجب إلغاؤه والعمل بالنص الشرعي ، مثل ما ذكرناه من حرمان الإناث من الميراث خاصة في القرى ، ومثل خروج النساء متبرجات في الطريق العام .
2 ـ عدم إلغاء العرف بالشرط :
فإذا تعارف الناس على أمر من الأمور ، ثم اشترط أحد المتعاقدين شرطا يخالف هذا العرف ، فهنا يقدم الشرط على العرف بعد موافقة الطرف الآخر ، مثل ما جرى عليه العرف من تحمل المشتري تكاليف نقل ما يشتريه ،. يؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( المسلمون عند شروطهم فيما أحل ) .
÷ تعريف الاستحسان :
عدول المجتهد عن حكم كلي إلى حكم استثنائي ، أو عدوله عن قياس جلي إلى قياس خفي ؛ لدليل رجح لديه هذا العدول.
فالاستحسان لا يخرج عن أحد أمرين :
1- استثناء مسألة جزئية من قاعدة عامة ؛ لوجود دليل اقتضى هذا الاستثناء .
2- الأخذ بالقياس الخفي وترك القياس الجلي ؛ لوجود دليل اقتضى هذا الأخذ .
÷ أنواع الاستحسان :
يعتمد الاستحسان على أدلة كثيرة ، وتتنوع أنواعه بتنوع هذه الأدلة ، فهو قد يعتمد على النص ، أو الإجماع ، أو رفع الحرج ، أو العرف ، أو المصلحة ، أو القياس الخفي . وذلك على النحو الآتي :
1- الاستحسان المعتمد على النص :
حيث يستثني القرآن أو السنة مسألة ما من حكمها العام وقاعدتها المطردة . ومثال ذلك من القرآن إباحة الوصية بالثلث أو دونه .
2- الاستحسان المعتمد على الإجماع :
ويتحقق باتفاق جميع المجتهدين على حكم في مسألة معينة ، ويخالف هذا الحكم نظائر هذه المسألة . كما يتحقق أيضا بألا ينكر جميع المجتهدين على ما يفعله الناس في مسألة معينة ، على الرغم من مخالفتها لنظائرها .ومثاله دخول الحمام ـ السونا ـ بشروطه الشرعية نظير مبلغ معين .
3- الاستحسان المعتمد على رفع الحرج أو الضرورة :
ومثاله : عدم نجاسة الثوب من وقوف الذباب أو البعوض عليه ، على الرغم من رؤية صاحب الثوب الذباب أو البعوض وهو يتنقل على النجاسات ، والقاعدة العامة تقضي بنجاسة هذا الثوب ، كما تقضي بنجاسة البشرة إذا وقف الذباب أو البعوض عليها ، بيد أن الفقهاء قالوا بالطهارة بالاستحسان الذي يعتمد على الضرورة ورفع الحرج ودفعه .
4- الاستحسان المعتمد على العرف :
ومثاله : لو حلف إنسان على أنه لن يأكل لحما ، فأكل سمكا ، فالقاعدة العامة تقضي بحنثه في يمينه ؛ لقوله تعالى عن السمك : ( ..لحما طريا ) فقد سمى السمك لحما طريا . ومع ذلك فقد ترك الفقهاء العمل بالقاعدة العامة في هذا الشأن ، وقالوا بعدم الحنث ؛ لأن العرف جرى على عدم تسمية السمك لحما ، فالقول بعدم الحنث استحسان أساسه العرف .
5- الاستحسان المعتمد على المصلحة ودرء المفسدة :
ومثاله : وجوب الضمان على الأجير المشترك ـ مثل طابع الكتاب ، والكوّاء ، والصباغ ـ في حالة تلف الأشياء التي يتسلمها للعمل فيها .
وهذه الأنواع الخمسة إنما تتبع الشق الأول في تعريف الاستحسان ، أما النوع السادس فيتبع شقه الثاني .
6- الاستحسان المعتمد على القياس الخفي :
وصورة هذا النوع من الاستحسان أن يوجد قياسان في المسألة : أحدهما قياس جلي ، والآخر قياس خفي . فيترك المجتهد القياس الجلي ، ويأخذ بالقياس الخفي؛ لدليل رجح عنده الأخذ بالقياس الخفي .
ومثاله : وقف الأرض الزراعية فإنه يمكن قياسه على بيع الأرض الزراعية ، كما يمكن قياسه على إجارتها . ويترتب على قياسه على البيع عدم دخول حق المرور في الوقف تبعا ؛ لأن هذا هو حكم البيع . ويترتب على قياسه على الإجارة دخول هذا الحق في الوقف تبعا ؛ لأن الشأن في إجارة الأرض الزراعية أن يدخل فيها حق المرور .
÷ الفرق بين القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة
القياس هو إلحاق مسألة غير منصوص على حكمها بمسألة منصوص على حكمها ؛ لاشتراكهما في العلة . كتحريم المخدرات قياسا على الخمر ؛ لعلة الإسكار وغياب العقل .
وأما الاستحسان فهو : عدول المجتهد عن قياس جلي إلى قياس خفي ، أو عدول المجتهد عن حكم كلي إلى حكم استثنائي ؛ لدليل رجح لديه هذا العدول . كالأمثلة سابقة الذكر .
وأما المصلحة المرسلة فهي : المصلحة التي لم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها . مثل جمع القرآن الكريم ، في عهد كل من أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما .
وعلى هذا يتبين أن :
● القياس يجري في مسألة لها نظير ، وتأخذ حكمه .
● والاستحسان يجرى كذلك في مسألة لها نظير ، ولكنها استثنيت من الحكم .
● والمصلحة المرسلة تجري في مسألة ليس لها نظير، ويثبت فيها الحكم ابتداء .
÷ حجية الاستحسان :
انقسم الفقهاء في الاحتجاج بالاستحسان إلى فريقين :
الأول : يرى أن الاستحسان حجة شرعية ، يجب العمل بها ، ويصح بناء الأحكام عليها ، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية . وقد استدلوا ببعض الأدلة ، منها :
1- أن الاستحسان يسـتند إلى دليـل شـرعي ، كالنص والإجماع والضرورة كما سبق ذكره ، وعلى هذا فلا يعد الاستحسان قولا بالهوى والمجرد عن الدليل .
2- أن نصوص الشريعة قد خالفت أحيانا القواعد العامة ؛ تحقيقا لمصلحة ، أو درءا لمفسدة ، وذلك على النحو الذي ذكرناه في النوع الأول للاستحسان ، وهو الاستحسان الثابت بالنص . وفي هذا ما يشير بوضوح إلى ضرورة العدول عن حكم القاعدة العامة ، إذا وجد المقتضى لهذا العدول ؛ تيسيرا وتلبية لحاجة الناس .
الثاني : ويرى الفريق الثاني أن الاستحسان لا يعتبر حجة شرعية ، ولا يصح بناء الأحكام عليه. ومن أشهر القائلين بهذا الإمام الشافعي ، الذي يقول في ذلك قولته الشهيرة : ( من استحسن فقد شرّع ) أي جعل نفسه مشرعا من دون الله سبحانه . وقد استدل هذا الفريق ببعض الأدلة ، منها :
1- قوله تعالى : (.. فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول ) ففي هذه الآية يأمرنا الله سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر ، كما يأمرنا برد المتنازع فيه من الأحكام إلى الله ورسوله ، أي إلى الكتاب والسنة . ومعنى هذا أنه لا يصح الاحتكام في الأحكام المتنازع فيها إلى الاستحسان ؛ لأنه ليس قرآنا ولا سنة .
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستعمل الاستحسان فيما يعرض عليه من قضايا ، أو يستفتى فيه من مسائل ، وإنما كان ينتظر نزول الوحي عليه بالحكم . فلو كان الاستحسان حجة لما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الاعتماد عليه ، لا سيما أنه كان أقدر الناس على استعماله .
3- أن الاستحسان ضرب من القول بالهوى والغرض ، فلا يصح الاعتماد عليه كمصدر للتشريع ؛ لأنه يفتح باب التقول في دين الله أمام الذين ليس عندهم أهلية الاجتهاد ، بدعوى الاعتماد على الذوق والرأي ، وفي هذا ما فيه من الخطر على دين الله .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hamde.rigala.net
 
مدخل إلى علوم الشريعة(1)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية دار علوم :: السنوات الدراسية :: الفرقة الاولى :: مدخل الشريعة الاسلامية-
انتقل الى: